المنجي بوسنينة
92
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
ويبدو أن طموح أبي الحسن البلوي العلمي كان أكبر من الاقتصار على بقائه في مدينة وادي آش الصغيرة الهادئة ، لهذا فقد انتقل في صفر عام 857 ه / فبراير - مارس ( شباط - آذار ) 1453 م ، هو وأسرته إلى العاصمة غرناطة ، مركز الدولة النصرية . وقد أثبت هناك جدارة علمية ، أهّلته لأن يتولى فيها وظائف دينية وقضائية مهمة ، منها تولي الإمامة بمسجد غرناطة الأعظم ، ثم أسند إليه منصب قضاء الجماعة في العاصمة ، وهو أعلى وظيفة قضائية في المملكة . ولكنه استقال من هذا المنصب بعد نحو شهر من توليه [ السخاوي ، الضوء اللامع ، 5 / 167 ] . ومن المرجح أن إحجامه عن الاستمرار في القضاء يعود بالدرجة الأولى إلى الخشية من مسؤولية هذا المنصب ، التي قد توقع صاحبها في المحذور ، رغم تحفظه الشديد . وقد اكتفى أبو الحسن في القيام بأعمال أخرى توفر له راحة الضمير ، والخير الوفير على الآخرين ، مثل الإقراء والتدريس والإمامة والخطابة [ عبد الله العمراني ، مقدمة ثبت البلوي ، 27 ] . استقر أبو الحسن نحوا من اثني عشر عاما في غرناطة ، لم يكتف خلالها بالإقراء والتدريس ، بل دأب على طلب العلم ، والأخذ عن شيوخ هذه المدينة البارزين . فكان من جملة الشيوخ الذين درس عليهم في غرناطة ، العالم أبو عبد الله محمد بن محمد الأنصاري السرقسطي الغرناطي المتوفى سنة 865 ه / 1461 م ، والعالم الأصولي المنطقي المتخصص في العلوم العقلية والنقلية ، أبو إسحاق إبراهيم بن فتوح العقلي ، المدرس بالمدرسة النصرية ، التي بناها السلطان أبو الحجاج يوسف بن إسماعيل بن فرج بن نصر سنة 750 ه / 1349 م . وقد درس عليه بشكل خاص العلوم العقلية . ومن شيوخه في هذه المدينة أيضا ، قاضي الجماعة أبو يحيى بن محمد بن أحمد الحسني التلمساني . وقد قرأ أبو الحسن على هؤلاء العلماء الكثير من الكتب الخاصة بالفقه ، والتفسير ، والحديث ، والنحو ، والمنطق ، وتفقه بهم . وكان اعتماده بشكل خاص على أبي إسحاق إبراهيم العقلي ، وعلى أبي عبد الله السرقسطي الذي تخرج على يديه ، وكتب بإذنه على بعض الأسئلة الواردة عليه . وبالإضافة إلى هؤلاء الشيوخ ، فقد أشار أبو الحسن البلوي إلى عشرات آخرين في مختلف أنحاء العالم الإسلامي ، كما نقل عنه ذلك ابنه أحمد بن علي البلوي [ ثبت البلوي ، 183 - 193 ] . وقد كتب له جماعة من علماء المشرق بالإجازة لرواية ما يحملونه عنهم وعن شيوخهم من مؤلفات . ومن هؤلاء الذين أجازوه على سبيل المثال لا الحصر : شيخ الإسلام أبو زرعة ولي الدين أحمد بن زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي الشافعي ، والحافظ أبو العباس شهاب الدين أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني ، وقاضي قضاة شيراز شمس الدين محمد بن محمد بن محمد بن الجزري الدمشقي ، والشيخ أبو عبد الله محمد المطري ، من شيوخ الحرم الشريف ، وقاضي مكة المشرفة عبد القادر بن أبي القاسم بن أحمد المالكي المكي الأنصاري السعدي . لقد كانت ظروف العصر الذي عاش فيه أبو الحسن البلوي صعبة جدا ، لأن تلك الفترة تمثل الحقبة الأخيرة من حياة مملكة غرناطة الإسلامية . وكانت المدن المحيطة بالعاصمة